|
وقفت
في ذات يوم على حانوت في سوق بلدتنا فرأيت
رئيس محكمة الاستئناف فيها وأحد زملائه
القضاة ، وهو مستشار في تلك المحكمة ،
يتحدثان بصوت خفيض أشبه ما يكون بالهمس ،
حييتهما وقلت لهما مازحاً : أراكما
تتهامسان ، كان الله في عون المتهم الذي
تتحدثان عنه اليوم ، ابتسم رئيس محكمة
الاستئناف ابتسامة خفيفة وتطلع إلى
صاحبه بنظرة من يستشيره قي الكلام ، ثم
التفت إلي وقال :
ليس
من عادتنا أن ناقش القضايا المعروضة
علينا في السوق ، ولكنه أمر يخصنا شخصياً
كنا نتهامس حوله لئلا يطرق سمع الآخرين .
قلت
أهو سر ؟؟
قال
رئيس محكمة الاستئناف : أنت لست غريباً ،
ولا أظنك ستزاحمنا في هذا الأمر ، كنت
أقول لزميلي المستشار إن عبد الجبار –
أبو رياض – بائع الألبسة المستعملة ،
أرسل يخبرني أن بالة جديدة وردت إليه
اليوم إنه يدعوني إلى أن أكون أول من
يراها حين يفتحها ، فقد أجد فيها من
الملابس ما يناسبني قبل أن تمتد إليه أيد
أخرى .
أبو
رياض يكرمني بهذا ، وأن أرد أن أستأثر
بمكرمته ، أحببت أن أشرك بها زميلي هذا هو
السر يا عزيزي ..
قال
الرئيس كلماته ببساطة وابتسامته الخفيفة
ترسم على شفتيه أما أنا فلم ابتسم .
استولى
الوجوم عليّ وشعرت بانقباض في صدري .
رئيس
محكمة الاستئناف ومستشاره اللذان لهما
الحكم النافذ على أرواح المواطنين مهما
بلغت مقاماتهم من العلو وعلى أموالهم
مهما بلغت من الكثرة ، يجدان مكرمة في
تفضيل بائع البالة إياهما على غيرهما في
شراء ثياب قديمة مستعملة وما ذلك إلا لأن
الراتب الذي يتقاضيانه من الدولة لقاء
عملهما المتحكم في الأرواح والأموال هو
من القلة وضعف القيمة بحيث لا يسمح لهما
بشراء ألبسة جديدة .. يالها من مأساة !!
..
ولكن لماذا يحدث هذا في بلدنا للقاضي ،
ويحدث مثله للموظف والعامل في مصالح
القطاع العام الذي تهيمن عليه الدولة ؟
أليس هذا هو ما ضعضع الحصن الأخلاقي الذي
كان يحمي الموظف والعامل من الفساد
فساقهما إلى مهاوي الرشوة والابتزاز
والاختلاس ؟
ما
الذي يحول دون
أن نتبع في بلدنا ما تتبعه الكثرة في
بلدان العالم في موازنة رواتب العاملين
في الدولة مع حاجاتهم المعاشية ، فتصان
كرامتهم من الامتهان وتسلم أخلاقهم من
الفساد ونحفظ للأمة قوتها ، فلا تكون
شجرة وارفة الظلال في مظهرها الخارجي
بينما ينخر السوس جذورها متهيئة للسقوط
أمام أي ريح عاصفة ..!؟
|