|
إن
مشكلة النزاع البشري هي مشكلة المعايير
والمناظير قبل أن تكون مشكلة الحق
والباطل ، وما كان الناس يحسبون أنه نزاع
بين حق وباطل هو الواقع نزاع بين حق وحق
آخر فكل متنازع في الغالب يعتقد أنه
المحق وخصمه المبطل ، ولو نظرنا إلى
الأمور من نفس الزاوية التي ينظر منها أي
متنازع لوجدت شيئاً من الحق معه قليلاً
أو كثيراً " يشذ عن هذه القاعدة بعض
الحالات بالطبع وهذا يثبت القاعدة ولا
ينفيها "
إن
من الممكن القول بأن هنالك ثلاثة أنواع
من القيود موضوعة على عقل الإنسان عند
تفكيره أو عند نظره في الأمور ، وهذه
الأنواع الثلاثة هي :
1-
القيود النفسية : فالإنسان قبل كل شيء
يملك نفساً معقدة فيها الكثير من الرغبات
المكبوتة والعواطف المشبوبة والاتجاهات
الدفينة ، ففكره إذن مقيد بهذه القيود
النفسية التي لا يجد عنها محيصاً إلا
نادراً ، والإنسان قد يدعي بأنه يفكر
تفكيراً حراً لا تحيز فيه ولا تعصب وهو
صادق إلى حد ما فيما يقول لأنه لا يعلم
ماذا كمن في عقله الباطن من عقد وعواطف
ونزوات خفية .
2-
وفكر
الإنسان مقيد أيضاً بقيود اجتماعية
علاوة على قيوده النفسية فهو ينتمي إلى
جماعة أو طبقة أو بلد أو طائفة أو غير ذلك
، ولذا فهو يتعصب لجماعته في الحق
والباطل على منوال ما كان عرب الجاهلية
عليه .
3-
والعقل البشري له قيوده الحضارية وهي
القيود التي تشترك بها كل الجماعات في
داخل حضارة معينة فالبدو مثلاً لهم قيم
ومثل وأهداف في الحياة عامة يؤمنون بها
جميعاً رغم اختلافهم في تعصبهم القبلي أو
الطبقي أو الاجتماعي ، وهذه القيم
الحضارية تتغلغل في اللاشعور عميقاً إذ
ينشأ عليها الفرد ويعتاد عليها حتى تصبح
جزءاً لا يتجزأ من منطقه وأسلوب تفكيره .
إن
العقل البشري متحيز بطبيعته ، والفرد
العادي لا يستطيع أن يتجرد في تفكيره
مهما حاول ، لأن القيود التي تقيد فكره
مغروزة في أعماق عقله الباطن إن العبقري
هو الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يسمو
عن ذلك ويحلق في سماء الإبداع والاختراع
، ولا يوجد على وجه هذه الأرض عقل قد تجرد
من قيوده الفكرية تجرداً تاماً ، ومن
الممكن أن نقول أنه كلما كان التجرد في
عقل من العقول
أتم كانت قدرته على الإبداع أعظم ،
فالعباقرة إذن يتفاضلون بمقدار ما
يتحررون قليلاً أو كثيراً من إطارهم
الفكري ، إن التجرد المطلق مستحيل
والعبقرية الكاملة كذلك غير ممكنة
|