|
إن
العدل ليس صفة يتطوع بها العادل ، وإنما
نعني أن العادل يمسك ميزاناً صنعه له
غيره ، وهو الله ، فالعادل ليس متطوعاً من
عنده بتطبيق ما يراه وإنما بتطبيق ما
وضعه الخالق ، ولذلك إن ميزة الإيمان أنه
لا يجعلك تتحكم فيّ أو أتحكم فيك ، وإنما
أنا وأنت معاً محكومان لله . وإن قال
أحدهم نريد الأمور الدنيوية لا الدينية ؟
نقول إن العدل لا ينشأ إلا حين يوجد حق
وباطل ، وظالم ومظلوم ، فيصبح الأمر
دينياً لا دنيوياً .
والحاكم
من بشر فإن قيل إنه قد يوجد حوله من
يحاولون إفساده ، نقول المفسدون قوتهم من
قوة من يفسدهم وضعفهم من ضعف من يفسدهم
ولا يمنع ذلك أن تكون المسؤولية في تحقيق
العدل هي مسؤولية مشتركة بين الحاكم
والمحكوم ، فقبل أن نطلب من الحاكم أن
يكون شجاعاً في الحق يجب أن نطلب من
المحكوم أن يكون أيضاً شجاعاً . وذلك أنه
قد يدخل قريب للحاكم ويطلب مني بصفة هذه
القرابة أن أفعل له شيئاً ، فشجاعتي هنا
إذا لم يكن له حق ألا أستجيب له ، بل على
العكس أعارضه ، فإذا وصل الأمر إلى
الحاكم ووافقه على تجاوزه تكون مسؤوليتي
عند الحاكم ، ولكنني أؤكد لك أن هذا لا
يحدث لأن أغلب الناس يجاملون الحاكم من
غير أن يعلم الحاكم شيئاً ، وهي تتصور
بذلك أنها تتقرب إلى الحاكم في حين أنه لا
يعلم . ولو وقف إنسان إلى جانب حق ، وراعى
فيه الله ، ورفض مجاملة قريب الحاكم وعرف
الحاكم بذلك ، فإنه حتى إذا لم يكن راضياً
عن عدم مجاملة قريبه فإنه يخاف أن يفعل
شيئاً في الذي رفض المجاملة لعلمه أنه
على حق . يحمي الله الإنسان هنا لا بخوف
الحاكم من هذا الإنسان ولكن بخوف الحاكم
من الله .
كان
عمر بن الخطاب من أعدل الحكام ومن المؤكد
أنه كان في حضن الله ومع ذلك فقد قتلوه
فكيف ذلك ؟
إنها
مصيبة ! ولكن لمن ؟ مصيبة لعمر ؟ أم مصيبة
لقاتله ؟ إن الذي يتصوره البعض من أنهم
برصاصة يمكنهم أن يغيروا التاريخ كما
يريدون ، والرصاصة تنطلق وتصيب بإرادة
الله من أرادوا ، ولكن الله بحكمته
ولحكمته يقول للناس من خلال ما تثمر عنه
الجريمة : هذا الذي أخطأ وتصور أنه سيفسد
الكون بعمل سأقول له : يا غبي ، ارتكبت
جريمتك وسأجعل جريمتك تعاقب عليها في
الدنيا والآخرة ، ولكنني على عكس ما
تتوهم ، سأنفع بها الناس ولا أحقق هدفك
الفاسد . عندنا سعد زغلول مثلاً ، أطلق
عليه أحد الناس الرصاص ليقتله ، فماذا
كانت النتيجة ؟ الرصاصة التي أطلقها
القاتل لم تقتل سعداً ، وإنما بسبب هذه
الرصاصة ودخولها جسم سعد شفي من مرض
السكر الذي كان يعانيه ، فهل الذي أطلق
عليه الرصاص كان يعلم أو يريد أن يشفيه من
مرضه ؟ إذن الخطأ والمصيبة ليست فيمن
وقعت عليه ولكن فيمن وقعت منه .
الشيخ
محمد متولى الشعراوي رحمه الله
|