|

|
نظرة
ورأي في الملكية الفكرية
|
كل
ظاهرة حتى تسمى طبيعية يجب أن تمارسها كل
الأحياء ، وبيولوجيا ثبت أخيرا ان لكل حي
طريقه لإعلان حدود مكانه حتى لا يتجاوزها
أحد من فصيلته أو فصيلة أخرى.. فالذئاب
تبول حول حدودها، وإذا مرّ من لا يستطيع
ان يشم هذه الرائحة تهاجمه بشراسة، لأنه
اخترق ملكيتها، وهذه ظاهرة موجودة، حتى
عند كل الأحياء الدقيقة التي تفرز مواد
سامة لحماية حدودها.. وبهذا السبب تحافظ
على أسرتها وكيانها، وهذه الظاهرة
الطبيعية لم يستطع العلم تعميمها على كل
الأحياء إلا مؤخراً..
بعبارة
أخرى، لكل حيّ حيز يجب ألا يخترقه حيّ آخر..
وأسوأ ما يمكن ان يتعرض له إنسان اقتحام
حيزه الخاص، فالمرأة التي تتعرض
للاغتصاب تتعرض أول ما تتعرض لهذا
الاقتحام،. لذلك نص الشرع ونصت القوانين
كلها على عقوبة الفاعل بقسوة.. كذلك الدول
المتقدمة حمت الملكية الفردية إلا في
فترات أخطأ فيها ، أمثال روسو حين ظنوا ان
أول من سور قطعة أرض أعلن عدم مساواته مع
الآخرين.. وتبعه ماركس بضرورة إزالة
الملكية الفردية التي كانت سبباً رئيسيا
من أسباب سقوط الماركسية.. لماذا؟
لأنها
حاربت دافعا طبيعيا بيولوجيا عند
الإنسان، فحرمته من حيزه الخاص.. القصة
إذاً في الحضارة الإنسانية التي مازلنا
نحبو في فهمها، هي بهذا المعنى قصة (هوية)
وعلى هذا الأساس تنتفض الشعوب إذا مسّ
حيزها الجغرافي..
وقول
الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، «
وراء كل ذي تخمة حق مضيع »؟! قول صحيح لأن
المتخم هو الذي لم يكتف بحيزه الطبيعي
وابتلع حيّز آخرين.. فأن يكون لك حد وحيز
للعيش بشكل محدد شيء، وأن لا يشبعك كما
يقول المثل إلا التراب شيء آخر، فالجشع
يتخم نفسه بالاعتداء على أحياز الآخرين
واغتصابها، لذلك المتخم لابد من انه قد
سرق.. وبعبارة شعبية اليوم يمكننا القول
ان: كل من يعد ثروته بالملايين لابد من أن
يكون لصاً..لأن غالبية الناس لا تعد إلا
بالألوف..
فإذا كان في هذا القول حقيقة، فما ينتج
منه أن حيزّي و حيّز أي شخص الفكري كحيزي
وحيزه المادي يجب ان يكون محترما، فلا
انسب له قولا زورا ولا اسرق من أقواله
وادعيها.. وبكلا الحالين شعرة رفيعة
يمكنني التستر وراءها بسوء النية.. هذا هو الأسلوب الذي يتبعه من ينطبق
عليه قول الشاعر:
أضمن كل بيت فيه معنى
فشعري نصفه
من شعر غيري
فكلنا
سمع بالعولمة، وكلنا يعرف مدى أخطارها،
لكننا نجهل كيف ستفرض العولمة واقع
الملكية الفكرية على من يتنكر لها من
شعوب العالم الثالث.. فلن تسمح الأقمار
الصناعية التي تنشرها المؤسسات الكبرى
من يابانية وأوروبية وسواها، بأي قرصنة
في أشرطة الفيديو، أو الكابلات، أو صحون
الالتقاط ليستفيد منها لصوص محليون..
كذلك لن تسمح شركات الكومبيوتر بأي
استنساخ لبرامجها بشكل غير قانوني، وهذا
أمر يسير السياسات العالمية، ومن لا
يفهمه يقع في مواجهة دول كبرى قد تكون
اكثر من مجرد اعتراض السفراء..
فالمسألة
أخطر من مجرد المطالبة بلص سرق مني
مجموعة فصول من كتاب وادعاها، وأخطر من
مؤسسة تثيبه على ذلك بربطة من الدولارات
لأنها تجهل كيفية المنهج العلمي، ولا
تستطيع ان تميز بين الإرجاع والاقتباس..
خطر هذا أن العالم لن يسمح به، فإذا
انتفضت مؤسسات كبرى ضد القوانين الرخوة
التي لا تحمي الملكية الفردية، حصلت
كوارث اقتصادية للدول التي تراخت، وقد
يعقبها كوارث من طبيعة أخرى.. ونحن لا نتحدث عن موضوع خاص عابر
نعانيه نحن حملة الأقلام.. لكننا نتحدث عن
نقص فاضح بالقوانين قد يؤدي إلى كوارث..
وتجنب الخطأ قبل وقوعه من عزم الأمور..
بين
المثقف والمبدع، ومدعي الثقافة بون
شاسع، ولكن الأمور صارت تقاس اليوم بصاحب
الصوت الأعلى والواصل.. إذاً بين الصوت
الأعلى والحقيقي بون شاسع ... فلا ينكر أحد
في العالم العربي أصالة نزار قباني كشاعر
، لكن بعض الشواعر اللواتي كان يصحح لهن
قصائدهن ضربن على وتر مشابه لوتره فجاء
نشازاً رغم كل الأغنيات التي غنتها
مطربات غنين لنزار.. وهذا يعني أن الأصالة
لا تستنسخ رغم إمكان الاستنساخ
بيولوجياً" ولكن علينا أن نعرف وتتعرف
على الأصالة، وهي ليست حصيلة الشهرة في
مجال الفكر، كما هي في مجال الشعر، لأنها
تختفي في طيات المراجع العميقة، في
المكتبات والتي لا يطولها الأمن يسعى
وراءها والفكر لا يسعى وراء أحد ومن
أراده يأتي إليه.. تماماً كالبحر لا يأتي
إليك بل أنت تذهب إليه، وإزاء عظمته قد
تلتقط حفنة ماء وتعود بها لتدعي أنك
البحر.. هذه هي قصة السرقة الفكرية التي
تختفي مرة أخرى وراء الاقتباس ..وما لم
يحدد الخيط الرفيع بين الاقتباس
والتضمين، بين المصدر والمرجع منهجياً
كجزء من قانون يحمي الملكية الفردية تظل
هذه الفوضى في الألقاب التي تمنحها
الجامعات « بعض الجامعات» وفي رزم
الدولارات التي توزعها مؤسسات تدعي أنها
تشجع الفكر، فينالها من لا يستحق ولا
يقدر..
قلنا
أن /روسو/ هاجم أول من سور قطعة أرض،لأن
روسو الذي كان يدعو إلى الطبيعة لم تكن
لديه معطيات علم الطبيعة المعاصر، بما
سميناه ( الحيز) مادياً، لكن السؤال الذي
ظل وسيظل بحاجة إلى إجابة هو سبب عدم
المساواة من الذين ينشدون التخمة على
حساب الآخرين كما ذكر الإمام علي رضي
الله عنه ولإيضاح هذا الأمر سوف أعدل
قول روسو قليلاً، فبدلاً من أن أقول: ان
أول من سور قطعة أرض سبب عدم المساواة بين
الناس، أقول ان أول من سعى وراء لقب يترفع
به على الآخرين أحدث هذا الخلل..فاللعبة
فكرية وتؤدي إلى خلل مادي لا العكس حيث
يحوز طالب اللقب على امتيازات مادية
دوماً، بينما العكس قد يحصل ..بأن يحصل
صاحب المادة على امتيازات فكرية كمظهرية
فقط يريد أن ينفش ريشه فيها، وهذا ليس
خطراً بقدر طالب الألقاب التي تعطيه
امتيازات مادية.. إذا أساس عدم المساواة
الألقاب الاجتماعية،وهنا لا يهم كيف
يتواضع المجتمع على هذا اللقب، فقد يكون
اسمه سيداً في الحضارة الأندلسية، وباشا
عند الأتراك و(لورد عند الإنكليز ،فقد
يكون كلهم شيئاً واحداً يؤدي إلى خلل في
العدالة الاجتماعية تحت مختلف التسميات..مرة
أخرى نقول: ان الصراع حول الملكية
الفكرية يجب أن يكون براء من تخمة
الألقاب،لاسيما إذا عملت الماجستير
والدكتوراه للقبي البيك والباشا في
العصر العثماني..
والتورم
في الأنا عند المثقفين والمبدعين وما
نسميه تورماً يشبه تماماً ما أشار إليه
الإمام رضي الله عنه، بالتخمة ،
لكن هذه المرة تبدأ مسيرتها بالألقاب
ولكي أضع قدمي على طريق اللقب لابد من أن
أحصل على اعتراف بي كانسان طليعي متميز ،
ولكنني لا أملك شروط هذه الطليعة، فأسهل
طريق أسلكه هو ما سماه الفكر الإسلامي (بالغلو)
وما يسمى عامية بالمزاودة.. فإذا قيل لي
ان الإنسان الفاضل يجب أن يكون صادقاً ،
مثلاً ، قلت :
أنا
رب الصدق، وإذا قيل على الطليعي أن يكون
مضحياً زاودت بكل الأقوال التي تزخرف
معنى التضحية، ولا أمارس شيئاً في الواقع
..( الغلو والمزاودة) هما: داء مظهرية
الثقافة، لذلك تظهر فروعيات كثيرة، جرت
العادة على تسميتها بالأصولية وهي
فروعية، في كل فكرة جيدة في هذه المنطقة..
وللبرء من هذا الداء يجب معرفته أولاً،
ثم الصبر في نشر الثقافة المنهجية بين
الأجيال القادمة لأن التفاح العفن الذي
لم يعد قابلاً للأكل، يجب أن لا تنتقل
عفونته إلى بذوره.. وهنا فقط، علينا
بالفهم وانتظار ثمرات الثقافة عبر عشرات
من السنين القادمة فقط، ليظهر جيل يحتقر
المزاودات..!! والأخطر
من هذا ألا نبدأ بفهم المشكل.. فمشوار
الألف ميل يبدأ بخطوة، مادمنا نحن لم
نفهم معنى المزاودة ، وظلت المجازات
الأدبية تلعب لعبة الممارسة في كل خطابنا
الاجتماعي والديني والسياسي ،فإن
المستقبل لن يبشر بالخير.. أما إذا قررنا
منع هذه المجازات واحتقار الغلاة بدل
اعتبارهم أبطالاً فنثيبهم بالألقاب
الطليعية ونسمح لهم بالاختباء وراء
الاقتباسات الأدبية والفكرية التي لم
يعملوا على تكوينها بأنفسهم ،وحتى لو
سوقهم الإعلام، يجب أن ندينهم ، آنذاك ،
نبدأ بالخطوة الأولى، وإلا فالمستقبل لا
يبشر بالخير فعلاً ..
إننا
نطالب الآن بالصدق والصدق فقط.. ونشير إلى
أن للكذب وجوهاً وألواناً تؤدي دوماً إلى
الباطل،فإذا استفحل سمح لمن بيده الحق
أن يبطش .. وآنذاك لن ينفع الندم!!
الدكتور هاني يحيى نصري
|