|
الإسلام
أباح الملكية لأنها غريزة في النفس فهذا
الإنسان يحب أن يصنع شيئا بجهده ليكون
ملكا له ، فإذا حرمته من هذا فسأحرم
المجتمع من كل آثار الطموح ، والطموح في
البشر ليس في كل فرد بل الطموح في أفراد
مخصوصين مما يدل على أن الملكية غريزة في
النفس .
لكن
النظم سواء كانت وضعية أم دينية تهذبها
وتعلي من هذه الغريزة . إن حب التملك
غريزة في النفس لأن الله هو الذي خلق
النفس ، فهو يعلم طبيعتها فهذبها بالقرآن
والدين فقط ، ولكن لا يلغيها بل يجيبه
فيها بقوله : أنت تملك لكن أنا أحدد لك
الطريق وتمول لكن بطريق أنا أحددها لك
وتنفق لكن بطريق أن أحددها لك . أما أن
تملك كما تشاء فلا ، وعلى فرض أننا نتكلم
في مذهب فكري ، فتعالوا نرى معا كيف تكون
الملكية غريزة في النفس ، الطفل الصغير
الذي لم يتفتق ذهنه ولا يعرف شيئاً عن
الدنيا ، هات عشرة كيلو غرامات من
البرتقال لأولادك وعندك طفل صغير ،
للوهلة الأولى عندما يراها يريد أن
يأخذها كلها ولا يعطي أحداً غيره شيئاً
منها ، هذا تملك طبيعي في النفس ، فما
الذي دعا إلى وجود التملك كطبيعة في
النفس .
إن
الذي دعا إلى وجود التملك كطبيعة في
النفس هو أن حياتها تتطلب أشياء لا تتحقق
بها ، والأشياء لا تتسع للناس جميعاً
ولذلك قديماً أيام البدائيات لم تكن هناك
ملكية بهذا المعنى لأن الإنسان عندما كان
يريد أن يرعى الغنم كان يجد مراعى ،
وعندما كان يريد أن يبني منزلاً كان يجد
ألف مكان يبني عليه .
إذن
فما دام الخير الذي يحقق استيفاء حياة
الإنسان موجوداً يجده في أي وقت فلا داعي
لأن يحوزه عنده ، لكن عندما يجده قليلاً ،
وطالبوه كثيرون ، فما العمل ؟ . لا بد من
الحيازة . لو أن طفل وجد أمامه حجرة مليئة
بالبرتقال فإنه إذا أراد واحدة أمامه
أخذها أما عندما يجد كمية البرتقال صغيرة
فإنه يصر على أخذها كلها في الحال .
كذلك
كان الإنسان الأول ، عندما كانت وسائل
الحياة موفورة ، لم يكن يتملك ومع ذلك
التملك في طبيعته ، فهو على الأقل يملك
خباءه وثيابه وآلة قتاله ولا يحب أن
يشاركه أحد فيها حتى أبواه .
إذن
فحب الملكية أمر غريزي لاستيفاء أسباب
الحياة في النفس البشرية ، وما دمت أنت
تحب الملكية فإن الله جعلها هكذا حتى
تسعى أنت في الكون وتعمل ، فإذا سعيت ولم
يكن لك ملك صادمت عواطفك ، وصادمت غرائزك
.
من
هنا كان الإسلام حريصاً على أن يجبر
النقص الحادث في نفس الذي عمل ولم يحصل
على ثمرة عمله من الملكية فشرع له الزكاة
في مال الذي حاز نصاباً من الملكية . –
إذن ما يؤخذ من مال الغني لتهذيب نفسه في
موضوع الملكية هو حق الله ، وهو مناط
العدل الإلهي في الشركة بينه وبين العامل
. – نعم ، فالحقيقة أنك أنت والآخذ سواء ،
لأنه من الجائز أن تكون عاملاً اليوم ،
وغير عامل غداً ، من الجائز أن تكون اليوم
قوياً وغداً عاجزاً ، فالله حينما يأخذ
منك اليوم وأنت قادر سيعطيك غداً وأنت
عاجز .
فالله
يصنع لنا تأميناً ، والقسط الذي يأخذه من
مال الغنى مضاربة لله ، هو قسط التأمين ،
فإذا افتقر أو أصابته عاهة ، يأتي
المجتمع ويعطيه . بعد ذلك ننظر ، عندما
يعطي واحد أخاه مائة جنيه ليضارب له بها
في أي عمل من الأعمال يشترط عليه
اشتراطات في الربح ، فلو قال إن الربح
مناصفة كان الأمر عظيماً . لكن الله تعالى
لم يقل للعامل إن الربح مناصفة بل قال له :
عشرون في المائة إذا لم يكن في المال عمل
، كما تسير مثلاً فتجد كنزاً ويسمى هذا
" الركاز " وهذا لله فيه الخمس . فإذا
كانت المضاربة بالعمل في الزراعة فحرثت
وبذرت فنأخذ منك العشر إذا لم تتعب في
السقي ، لأن السماء هي التي تروي ، ولأنك
عملت عملاً ، فإذا حرثت وبذرت وبحثت عن
ماء لتسقي نأخذ منك نصف العشر ، أي خمسة
في المائة ، لأن عملك زاد وكثر ، وهذه هي
العدالة .
|